فخر الدين الرازي
448
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع فَلا تَعْتَدُوها أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى ذكره في سائر الآيات أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود : 18 ] فذكر الظلم هاهنا تنبيها على حصول اللعن وثانيها : أن الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جاريا مجرى الوعيد وثالثها : أنه أطلق لفظ الظلم تنبيها على أنه ظلم من الإنسان على نفسه ، حيث أقدم على المعصية ، وظلم أيضا للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها ، أو كتمت شيئا مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئا لا بسبب نشوز من جهة المرأة ، ففي كل هذه المواضع يكون ظالما للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالما لنفسه ، وظالما لغيره ، وفيه أعظم التهديدات . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 230 ] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 ) اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : فَإِنْ طَلَّقَها تفسير لقوله : تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله : تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالا ثلاثة أحدها : أن يراجعها ، وهو المراد بقوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [ البقرة : 229 ] والثاني : أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله : فَإِنْ طَلَّقَها فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، واللّه تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى . واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشئ الأجنبي ، ونظم الآية : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟ . قلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر اللّه حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب واللّه أعلم . المسألة الثانية : مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط : تعتد منه ، وتعقد للثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم تعتد منه ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل